
هل يمكن أن يكون التّوتر سببًا للألم والقرحة ومتلازمة القلب المكسور؟
فقدَت الممثلة الإنجليزيّة كيت بيكينسيل مؤخّرًا زوج والدتها، وشعرت بحزن عميق على هذه الخسارة لدرجة “ظهور ثقب” في مريئها، ممّا أدّى إلى “تقيّؤ كمّيّات كبيرة من الدّمّ”، وقضت على إثرها ستّة أسابيع في المستشفى لتتعافى.
غالبًا ما يتحدّث النّاس عن التّأثير العاطفيّ للحزن والتّوتّر، لكن قلّما يُناقَش تأثيره على أجزاء أخرى من الجسم، فهل من الممكن حقًا أن يُسبّب الحزن أعراضًا جسديّة عميقة كتقيّؤ الدّمّ؟ ربّما.
ما نعرفه هو أنّ التّوتّر يرتبط بالعديد من الحالات الأخرى الّتي تؤثّر تقريبًا على كلّ أنظمة الجسم.
يُحتمَل أن بيكينسيل كانت تعاني من تقرّحات هضميّة، ويُعزى هذا المرض بشكل أساسيّ إلى بكتيريا «الملويّة البوابيّة (هيليكوباكتر بيلوري) – H. pylori» المعروفة بجرثومة المعدة، لكنّ بعض الأبحاث تشير إلى أنّه لا ينبغي تجاهل التّوتر كسبب مُحتمَل.
وُصِفَت التّقرّحات النّاجمة عن التّوتّر لدى المرضى الّذين تعرّضوا لشكل من أشكال الصّدمة النّفسيّة الشّديدة ضمن الملاحظات المبكّرة للدّكتور بوريل كرون (الذي اشتهر باكتشافه لمرض كرون). ومنذ ذلك الحين، ربطت الدّراسات الرّصديّة التّوتر بالقرحة الهضميّة، بينما أظهرت دراسات أخرى ارتباط القلق والاكتئاب بهذه الحالة. كما أظهرت دراسة أخرى وجود صلة بين التّقرّحات الهضميّة والتّجارب الحياتيّة السّلبيّة، كالطّلّاق أو التّرمّل.
إلّا أنّ القرحة ليست الحالة الصّحّيّة الوحيدة الّتي يُعتقد أنّها ناجمة عن التّوتر.
تعريف التّوتّر
يمكن تقسيم التّوتّر بشكل عام إلى نوعين رئيسيّين: التّوتّر الفسيولوجيّ والتّوتّر النّفسيّ.
يشير التّوتّر الفسيولوجي إلى قدرة الجسم على العمل عند تعرّضه لعوامل تختبر قدرته الفيزيائيّة، مثل التّعرّض لدرجات حرارة متطرفة (عالية أو منخفضة) أو الصّدمة النّاتجة عن فقدان الدّمّ أو العدوى.
أما العوامل المسبّبة للتّوتّر النّفسيّ فهي تلك الّتي تؤثّر على الوظيفة العقليّة، كالتّسريح من العمل أو التّعرُّض لاعتداء أو الفقدان.
ستلاحظ على الفور أنّ تعريف التّوتّر ليس بالأمر السّهل، فبعض العوامل المسبّبة للتّوتّر، مثل الإصابات بالجروح الخطيرة الّتي تسبّب الصّدمات النّفسيّة، يُمكن تصنيفها على أنّها فسيولوجيّة ونفسيّة في الوقت ذاته. كما أنّ استجابة كلّ فرد للتّوتّر تختلف عن الآخر، ممّا يجعل التّجربة مختلفة من فرد لآخر. ويعتبر ذلك أحد الأسباب الّتي تجعل دراسة آثار التّوتّر صعبة.
تتعلّق العديد من اضطرابات الصّحّة العقليّة بالتّوتّر، وربّما أشهر مثال على هذه الحالات هو اضطراب ما بعد الصّدمة (PTSD) الّذي يحدث إثر التّعرُّض لحدث صادم. وتشمل الأمثلة الأخرى: ردود الفعل الحزينة بعد الفقدان أو الفراق، واضطراب القلق العام إذ يُصبح القلق مزمنًا.
لماذا تظهر الأعراض؟
تثير العوامل المسبّبة للتّوتّر استجابة حيويّة في الأجسام، بغضّ النّظر عن المسّبب. وقد تكون بالفعل على دراية بالأعراض الجسديّة الّتي يمكن أن تظهر: فقد تتسارع نبضات القلب بشكل ملحوظ، ممّا يؤدّي أحيانًا إلى الخفقان، وتزداد سرعة التّنفّس وقد تبدأ في الشّعور بالحرّ أو البرودة أو التّعرّق، وقد تشعر أحيانًا بالارتجاف أو الغثيان أو الخَدَر. وفي بعض الحالات، يمكن أن يسبّب التّوتّر أعراضًا أكثر حدّةً، مثل: ألم في الصّدر أو شعور بالاختناق أو الإغماء.
تبدأ استجابة الجسم للتّوتّر من الدّماغ، الّذي يتحكّم في الجسم بأكمله. إذ يقوم جزء مُعيّن يُعرَف ب «الجهاز العصبيّ الودّيّ – Sympathetic Nervous System»، وهو المسؤول عن توليد استجابات «المواجهة أو الهروب – Fight or Flight» تجاه المخاطر. إضافةً إلى ذلك، يُفرز جزء من الغدّة الكظريّة يُعرف باسم «لبّ الغدّة الكظريّة – Adrenal Medulla» هرمون الأدرينالين، الّذي يُعتبَر هرمون الحركة ويعمل على تسريع ردود الفعل، كما يشارك الدّماغ في التّحكّم بإفراز الهرمونات عبر الغدّة النّخاميّة، ممّا يؤدي إلى تحفيز دورة هرمونيّة أخرى في مجرى الدّمّ.
يعمل الجهاز العصبيّ الودّيّ والسّلسلة الهرمونيّة معًا للتّحكّم في القلب والرّئتين والأعضاء الأخرى، ويحفّزان أيضًا عمليّات الاستقلاب في الجسم.
تشكّل هذه الاستجابات الجسديّة آليّة مهمّة للبقاء على قيد الحياة. تخيّل للحظة أنّ أسدًا قد عضّ ساقك للتّوّ: إنّ الأسد والنّزيف والخوف الّذي تشعر به هي عوامل مُسبّبة للتّوتّر، لكن إن لم تكن تريد البقاء في الجوار كي تصبح الوجبة التّالية للأسد، فلا يوجد أمامك خيار سوى المواجهة أو الهروب لإنقاذ حياتك.
لحسن الحظّ، تعني استجابة الجسم للتّوتّر أنّ جهازك العصبيّ قد عزّز بالفعل القلب والرئتين وحشد مصادر الطّاقة في الجسم، فجعلك مستعدًّا للاستجابة.
لكن تصبح هذه الأعراض مُزمنةً إذا كان التّوتّر مرتبطًا بصدمة شديدة، أو مُتكرّر الحدوث، وفي هذه المرحلة تبدأ المشاكل، ويُطلق على ترجمة الضّغوط النّفسيّة إلى أعراض جسديّة: «الجسدنة – Somatisation».
الاستجابة الكاملة للجسم
وُجِدَ أنّ التّوتّر قد يكون سببًا محتملًا للعديد من الحالات في أنظمة الجسم المختلفة جميعها، بدءًا من القلب والجهاز الهضميّ وصولًا إلى المفاصل وحتّى الأعضاء في منطقة الحوض.
مثلًا، لا أحد يعرف السّبب الدّقيق لمتلازمة القولون العصبيّ المرتبطة بأعراض كالانتفاخ وآلام البطن والإمساك أو الإسهال، إذ طُرِحَت العديد من الأسباب، بما في ذلك النّشاط غير الطّبيعيّ وفرط حساسيّة الأمعاء، لكن الاحتمال الآخر هو تأثير التّوتّر والعقل.
وتشمل الحالات الأخرى المرتبطة بالتّوتّر والمزاج: متلازمة فرط التّهوئة (فرط التّنفّس)، والألم العضليّ اللّيفيّ (الفيبرومالغيا)، وصداع التّوتّر، وهناك حالات أخرى أكثر غرابةً.
كما تُعتبَر «مُتلازمة القلب المكسور (تاكوتسوبو كارديوميوباثي) – Takotsubo Cardiomyopathy» حالةً غريبةً بعض الشّيء. فهي تجسيد جسديّ إمّا لحزن شديد أو فرح مفرط، وهي تحدث عندما تتحوّل الانفعالات إلى أعراض جسديّة مثل ألم الصّدر وضيق التّنفّس. وتوضّح هذه الحالة، في جوهرها، قدرة العوامل المسبّبة للتّوتّر الشّديد على التّسبّب في قصور القلب.
تعدّ هذه مجرّد أمثلة على تحوّل التّوتّر إلى أعراض جسديّة، فالعلاقة المتأصّلة بين الجسد والعقل تحدث على مستويات مختلفة جدًّا، وتعقيد الاستجابة الحيويّة للتّوتّر يجعل قياسها ودراستها أمرًا صعبًا للغاية.
- ترجمة: نِهال عامر حلبي
- تدقيق علمي ولغوي: عبير ياسين
- المصادر: 1