
تأثير الوراثة على الطّول
غالبًا ما يتساءل الآباء المستقبليّون عن الصّفات الّتي سيرثها طفلهم، مثل لون العينين أو الشّعر، وما إذا كان سيشبههم أكثر أم سيشبه شريكهم. ومن بين هذه التّساؤلات، يُطرح السّؤال حول الطّول بصورة مُتكرّرة.
تؤثّر العديد من العوامل على طول الطّفل، بما في ذلك طول الأبوين، والعوامل الوراثيّة، والبيئة المحيطة.
توقُّع طول الطّفل
لا توجد طريقة دقيقة تمامًا للتّنبّؤ بطول الطّفل المستقبليّ، لكن توجد عدّة معادلات توفِّر تخمينًا معقولًا لنموّه.
يُعدّ طول الأبوين، أو ما يُعرف بالطّول الوسطيّ للأبوين، من أفضل المؤشّرات على طول الطّفل المُستقبليّ. ويُحسب هذا الطّول بجمع طول الأب مع طول الأمّ، ثمّ إضافة 13 سم (5 إنشات) للأولاد أو طرح 13 سم للفتيات، وأخيرًا قسمة المجموع على 2. غالبًا ما يصل معظم الأطفال إلى طول يتراوح ضمن ±5 سم (±2 إنش) من هذا المتوسّط، كما يمكن التّنبّؤ بالطّول المستقبليّ للطّفل عبر مضاعفة طول الذّكر عند عمر سنتين أو طول الأنثى عند عمر 18 شهرًا.
العوامل الوراثيّة
لطالما كانت دراسة الطّول تقليدًا طويل الأمد في علم الوراثة، إذ تعود بدايات دراسة الوراثة الكمّيّة إلى أبحاث حول الطّول البشريّ في أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
التّنوّع الجينيّ
تشير تقديرات العلماء إلى أنّ قرابة 80% من الطّول الفرديّ يُحدَّد من خلال الاختلافات في تسلسل الحمض النّوويّ (DNA) الموروث. لكن حتّى الآن، لاتزال الأبحاث مستمرّة لفهم المورِّثات المسؤولة عن هذا التّأثير بدقّة.
تُعرف هذه الاختلافات المورِّثيّة والتّباين في تسلسل الحمض النّوويّ في جينوماتنا ب «التّنوّع الجينيّ» أو «تسلسل الحمض النّوويّ»، ينتج هذا التّنوّع عن اختلافات دقيقة في الحمض النّوويّ، وهو ما يجعل كلّ فرد مميّزًا عن غيره من ناحية المظهر، مثل: لون الشّعر، ولون البشرة، وحتّى شكل الوجه. يمتلك أفراد النّوع الواحد خصائص متشابهة، نادرًا ما تكون متطابقة، فيما يسمّى الفرق بينهم: التّنوّع.
أحد أكثر أشكال التّنوّع الجينيّ شيوعًا لدى البشر هو «تعدّد أشكال النّيوكليوتيد الأحاديّ – Single Nucleotide Polymorphisms (SNPs)»، وهو اختلاف بسيط في أحد حروف الشّيفرة المورّثيّة (ACGT) داخل الحمض النّوويّ. تحدث هذه التّغيّرات بمعدّل مرّة كلّ 300 قاعدة آزوتيّة، وغالبًا ما توجد في المناطق غير المشفّرة من الجينوم.
نمط الوراثة
قدّم العالم فيشر عام 1918 أوّل تقدير لمعدّل التّوريث المرتبط بالطّول، وعرّفه بأنّه: النّسبة المئويّة من الاختلافات الكليّة الّتي يُمكن تفسيرها بالاختلافات المورّثيّة. وقد أثبت في بحثه أنّ الصّفات المستمرّة كالطّول، تتحكّم فيها العديد من المواقع المورّثيّة الّتي تمتلك تأثيرات صغيرة، فيما يُعرف ب«الوراثة متعدّدة الجينات – Polygenic Inheritance».
يصبح التّنبّؤ الدّقيق بطول الطّفل صعبًا نتيجة هذا النّمط المُعقّد من الوراثة، لكن وراثة هذه المورِّثات من الأبوين تفسّر سبب تشابه طول الأطفال مع آبائهم، كما أنّ التّوزيع المختلف لهذه المورِّثات يمكن أن يؤدّي إلى اختلاف في الطّول بين الأشقّاء.
أحدث الدّراسات
عمل الباحثون في دراسة حديثة على دراسة الارتباط الجينوميّ الواسع (GWAS)، وهو نوع من الدّراسات يجري خلالها مسح الجينومات الكاملة في مجموعة سكانيّة لتحديد الارتباطات بين المتغيّرات الجينيّة والصّفات المختلفة.
وكشفَ تحليلهم عن 12,111 تعدادًا شائعًا للنّيوكليوتيدات الأحاديّة (SNPs)، وهي مواقع في الجينوم يختلف فيها حرف واحد، مرتبطة بالطّول.
وجدت الدّراسة أنّ عدد تعداد النّيوكليوتيدات الأحاديّة مسؤول عن 40% من الاختلافات في الطّول لدى الأفراد من أصول أوروبيّة، بينما يفسّر 10-20% فقط من الاختلافات لدى الأشخاص من أصول غير أوروبيّة. ويرجع هذا التّفاوت إلى التّركيبة السّكّانيّة لعيّنة الدّراسة (GIANT)، الّتي كانت في الغالب تتكوّن من أفراد ذوي أصل أوروبيّ. وتُعَدّ هذه المحدوديّة في التّنوّع العرقيّ مشكلة معروفة وشائعة في الدّراسات الجينيّة. ومع ذلك، فقد شملت دراسة (GIANT) أكثر من مليون مشارك من أصول شرق آسيويّة وإسبانيّة وإفريقيّة وجنوب آسيويّة، وهو عدد يفوق ما هو متوفّر في معظم دراسات (GWAS) الأخرى، وهذا يُعدّ تطوّرًا مُهمًّا في زيادة دقّة التّنبّؤ بالطّول.
يؤكِّد الباحثون أنّهم وجدوا، حتّى الآن، أنّ مناطق الجينوم نفسها تؤثّر على طول القامة في مختلف المجموعات السّكّانيّة. لكنّهم يشدّدون على أنّ زيادة تمثيل الأفراد ذوي الأصول غير الأوروبيّة في الدّراسات سيكون أمرًا بالغ الأهمّيّة لزيادة دقّة التّنبّؤ وقد يساعد في تحديد المتغيّرات المورِّثيّة الخاصّة بمجموعات معيّنة.
التّطبيقات الطّبّيّة
يُمكن أن تساعد هذه الاكتشافات العلماء في تطوير أدوات دقيقة للتّنبّؤ بالطّول في العيادات الطّبّيّة. يستخدم الأطباء حاليًّا تاريخ العائلة لتقدير طول الطّفل المستقبليّ، لكن هذه التّقديرات ليست دقيقة دائمًا، خاصّة عند مقارنة الأشقّاء. وقد يكون التّنبّؤ القائم على تحليل تعدّد أشكال النّيوكليوتيد الأحاديّ أكثر دقّة، ويمكن أن يساعد الأطبّاء في اكتشاف حالات صحّيّة خفيّة تؤثّر على النّموّ، مثل أمراض الجهاز الهضميّ (كحالة الدّاء البطنيّ) أو اضطرابات هرمونيّة.
المناطق الجينوميّة المُحدَّدة
أظهرت نتائج دراسة (GIANT) أنّ مواقع النّيوكليوتيدات الأحاديّة المؤثّرة في الطّول تتركّز ضمن مناطق تغطّي ما يزيد قليلاً عن 20% من الجينوم. كانت هذه المواقع المورِّثيّة قريبة بشكل خاصّ من مورِّثات مرتبطة سابقًا باضطرابات نموّ الهيكل العظميّ، فعلى سبيل المثال، تمركزت 25 من هذه المواقع بالقرب من مورِّثة (ACAN)، الّتي ترتبط طفراتها بقصر القامة وحالة تُعرف باسم خلل التّنسُّج العظميّ، كما أنّ بعض هذه المواقع المورّثيّة تؤثّر في مسارات الإشارات الّتي تؤثّر على صفائح نموّ الهيكل العظميّ، وهي مناطق غضروفيّة قرب أطراف العظام الطّويلة تتمدّد وتتصلّب لتصبح عظامًا صلبة أثناء نموّ الطّفل.
يعتقد الباحثون أنّ هذا التّمركز للتّغيّرات المورّثيّة قد ينطبق أيضًا على صفات أخرى، ممّا قد يسهم في دراسة حالات شائعة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدّمّ أو الرّبو، والّتي تتأثّر بعدّة مورِّثات.
المُلخّص
حلّل الباحثون بيانات ما يقرب من 5.4 مليون شخص، وحدّدوا أكثر من12,000 طفرة مورِّثية تؤثّر في الطّول، تُفسّر هذه الطّفرات ما بين10% إلى 40% من التّباين في الطّول، تبعًا للأصول العرقيّة للأفراد، إذ تتمركز حول أجزاء من الجينوم مرتبطة بنموّ الهيكل العظميّ.
تشير النّتائج، الّتي نُشرت في مجلّة «الطّبيعة Nature» إلى أنّه قد يصبح بالإمكان مستقبلًا مساعدة الأطبّاء في تحديد الأفراد الّذين لا يصلون إلى الطّول المتوقّع لهم وراثيًّا، ما قد يشير إلى وجود مرض خفيّ أو نقص معيّن يؤثّر على نموّهم وصحّتهم.
العوامل البيئيّة والتّغذية
للبيئة، إلى جانب العوامل المورّثيّة، دورٌ مهمٌّ في تحديد الطّول، بما في ذلك تغذية الأمّ أثناء الحمل، وعاداتها الصّحّيّة مثل التّدخين، والتّعرُّض للموادّ الضّارّة. كما أنّ الأطفال الّذين يحصلون على تغذية جيّدة، ورعاية صحّيّة ملائمة، ويعيشون حياة نشطة، يميلون إلى أن يكونوا أطول قامة من أولئك الّذين يعانون من سوء التّغذية أو الأمراض المزمنة.
كما تؤثّر العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة مثل الدّخل، والتّعليم، والمهنة على الطّول. وقد أظهرت الدّراسات أنّ انتقال العائلات إلى دول ذات مستوى معيشي مُرتفع يمكن أن يؤدّي إلى زيادة في طول الأجيال اللّاحقة، ممّا يشير إلى أنّ بعض الفروقات في الطّول بين المجموعات العرقيّة يُمكن تفسيرها بعوامل غير وراثيّة.
الاضطرابات الوراثيّة
توجد بعض الطّفرات المورِّثيّة النّادرة الّتي تؤثّر بشكل ملحوظ على الطّول، مثل:
«القزامة الوراثيّة – Achondroplasia»، وهي اضطراب نادر في نموّ العظام يُسبّب قصر القامة، وينتج عن طفرات في المورِّثة (FGFR3).
«مُتلازمة تيرنر – Turne Syndrome»، وهي تؤدّي إلى تأخُّر البلوغ وقصر القامة، لكنّها لا تنتقل وراثيًّا.
«مُتلازمة مارفان – Marfan Syndrome»، «مُتلازمة كلينفيلتر – Klinefelter Syndrome» تؤدّيان إلى طول القامة بشكل غير طبيعيّ، إذ تؤدّي متلازمة مارفان إلى تضخّم الأنسجة الضّامّة وتحدث بسبب طفرات مورِّثة (FBN1)، بينما تنتُج متلازمة كلينفيلتر عن وجود نسخة إضافيّة من الكروموسوم X لدى الذّكور.
بعض المورِّثات، مثل (ACAN)، تحتوي على طفرات نادرة تؤدّي إلى اضطرابات نموّ شديدة، بينما تسبّب طفرات أخرى تأثيرات طفيفة على الطّول دون أيّ مشاكل صحّيّة ملحوظة.
التّأثير الهرمونيّ
للهرمونات دورٌ أساسيٌّ في تنظيم النّموّ، لا سيّما خلال فترة البلوغ، تشمل هذه الهرمونات:
هرمونات الغدّة الدّرقيّة
هرمون النّموّ البشريّ
الهرمونات الجنسيّة مثل التّستوستيرون والإستروجين
قد يؤثّر أيّ خلل في هذه الهرمونات على النّموّ وكذلك الطّول الإجماليّ.
يمكن أن تؤدّي الاضطرابات الهرمونيّة، مثل قصور الغدّة الدّرقيّة أو اضطرابات الغدّة النّخاميّة، إلى قصر القامة مقارنة بطول الأبوين. يمكن أن تسبّب الاضطرابات الهرمونيّة، في حالات نادرة، زيادة غير طبيعيّة في الطّول، كما في حالة العملقة النّاتجة عن فرط إنتاج هرمون النّموّ بسبب أورام الغدّة النّخاميّة.
الفرق بين الجنسين في الطّول
يُعد الطّول من الصّفات الثّنائيّة الشّكل المرتبطة بالجنس، فالرّجال أطول من النّساء في جميع المجتمعات البشريّة. يبلغ متوسّط الفرق بين الجنسين عالميًّا حوالي 12 سم؛ إذ يبلغ متوسّط طول الرّجال 171 سم، بينما يبلغ متوسّط طول النّساء 159 سم وفقًا لأحدث البيانات المُتاحة.
أظهرت دراسات أنّ بعض المورِّثات المرتبطة بالطّول يُعبَّر عنها بشكل أكبر عند الذّكور مقارنة بالإناث، ممّا يفسّر جزئيًّا هذا الفرق. إذ اكتشف الباحثون في دراسة حديثة، أنّ مجموعة من المورِّثات المتحيّزة جنسيًّا تفسّر تقريبًا 12% من الفارق المتوسّط في الطّول بين الرّجال والنّساء، وتوضّح هذه النّتيجة الدّور الوظيفيّ لتعبير المورَّثات المتحيّز جنسيًّا في إحداث الفروق بين الجنسين.
يُعَدّ التّعبير التّفاضليّ لنفس المورِّثة بين الجنسين إحدى الآليّات الّتي تساهم في استمرار الفروق في الصّفات المختلفة بين الذّكور والإناث رغم التّشابه المورِّثيّ الكبير بينهما داخل النّوع الواحد، فباستثناء الكروموسوم الجنسيّ الثّاني Y في الذّكور أو X الثّاني في الإناث، يشترك الجنسان في نفس المجموعة المورِّثيّة. على سبيل المثال، إذا ورث طفلان (ذكر وأنثى) من والد طويل القامة مورِّثة مرتبطة بزيادة الطّول، لكن كان التّعبير الجينيّ لهذه المورِّثة لدى الذّكور أعلى، فسيكون تأثيرها على زيادة الطّول أكبر لدى الابن مقارنة بالابنة.
وخلصت الأبحاث إلى أنّ تعبير الجينات المتحيّز جنسيًّا يساهم بحوالي 1.6 سم من الفارق المتوسّط في الطّول بين الرّجال والنّساء، وهو ما يمثّل 12% من الفارق الإجماليّ الملحوظ في الطّول بين الجنسين.
الخاتمة
تحدَّد العوامل الوراثيّة طول الفرد بصورة أساسيّة، وهي تفسّر ما يُقدّر بنسبة 80% من التّباين في الطّول، فيما تقوم عوامل أخرى كالبيئة، والتّغذية، والاضطرابات الخلقيّة، والجنس بدور مهم في تحديده.
ومع استمرار الأبحاث، قد تساهم الاكتشافات الجينيّة في تحسين التّنبّؤ بالنّموّ وفهم العوامل المؤثّرة على الصّحّة العامّة على نحو أوسع.
- ترجمة: Basil Albayati
- تدقيق علمي ولغوي: فريال حنا
- المصادر: 1