
الأمراض المزمنة ليست أوهامًا: الآثار السلبية طويلة الأمد نتيجة التشخيص الخاطئ
إن عدم تصديق أن خطْب غير طبيعي يحدث في جسمك قد تكون له عواقب وتستمر لوقت طويل، كما قد يكون سببًا في عدم تلقّي الدعم والعلاج المناسبَين.
لقد كشفت الدراسة التي أجريتها أنا وزملائي على أكثر من 3,000 فرد يعانون من الأمراض المناعية الذاتية عن العديد من الآثار السلبية طويلة الأمد. فعندما يصنِّف التشخيص الخاطئ المرض كمرض متعلّق بالصحة النفسية أو الصحة النفسية-الجسدية (غالبًا ما يطلق عليه المرضى أنه “وهم في الرأس” )، تكون النتيجة الشعور بالخجل وعدم الثقة والاكتئاب. وفي بعض الحالات، قد تمتد إلى التفكير بالانتحار أو محاولات انتحار فعليّة.
ولعلّ قلة الثقة بالأطباء هي أسوأ العواقب، لأنّها تُجنّب المريض طلب المزيد من المساعدة الطبية، بسبب الخوف من عدم تصديقهم مرة أخرى.
إلا أنّ المشاعرالسلبية وانعدام الثقة لا تبقى بالقوة نفسها حتى بعد مرور سنوات عديدة من عدم تصديق الأطباء لأعراضهم، إذ كانت هذه أكثر النتائج المقلقة التي توصلت إليها الدراسة.
كانت الجروح النفسية-الجسدية عميقة ولم تلتئم بعد. فقد أفاد أكثر من 70% من الأفراد الذين أصيبوا بتشخيص خاطئ بأنهم لا يزالون مستائين، ورأى أكثر من 80% منهم أن تقديرهم الذاتي لأنفسهم قد تضرر.
إذ قالت إحدى المشاركات في الدراسة ممن تعرضن لأمراض مناعيّة عدّة، وشاركتنا قصتها التي تلخّص تجارب الكثيرين: «قال لي أحد الأطباء أنت تتوهّمين الألم، ولا تزال كلماته عالقةً في رأسي وهو يخبرني أنني أنا من أتسبب بالأذى لنفسي، مما جعلني أشعر بالقلق والاكتئاب الشديدين».
«لا تزال كلماته عالقة في رأسي»
لم تكن هذه النتائج مجرد قصص فردية. فقد ظهرت بالعموم المستويات المرتفعة من الاكتئاب بوضوح، أما مستويات الرفاهيّة كانت منخفضة لدى الأفراد الذين أقرّوا بتلقيهم تشخيصات خاطئة تتعلق بالصحة النفسيّة أو النفسيّة-الجسديّة.
لقد اخترنا استخدام شهادة المرأة: «لا تزال كلماته عالقة في رأسي» كعنوان للدراسة.
إذ لم تعكس هذه العبارة نتائجنا بدقة وحسب، بل إنها تشير أيضًا إلى روح الفريق في البحث وإتاحة الفرصة لهؤلاء في التعبير عن أنفسهم لكون أصواتهم مكبوتة في معظم الأحيان.
ولعلّ أكثر القصص المؤلمة تلك التي عانى أصحابها من أعراض الأمراض المناعيّة الذاتيّة منذ نعومة أظفارهم، ولكنّ الأطباء لم يصدّقوهم. ولازمتهم تلك الكلمات حتى منتصف أعمارهم وربما لآخرها وعلى مدار عقود من الزمن، وغالبًا ما يزالون يشعرون بوقْعها نفسه يوم سمعوها أول مرة. وقد عبّر عن ذلك مرافق أحد المرضى المشاركين في الدراسة التي أجراها الفريق، بأنه أمضى بقية حياته «وروحه متعبة».
كما قالت امرأة تعاني من مرض الذئبة الحمراء للمُحاور أن طبيبها أخبرها وهي في ال 16 من عمرها أنها تعاني من أعراض كثيرة، فمن غير الممكن أن تكون تلك الأعراض مجرد وسواس مرضي، وتحدثت وهي تشعر بألم شديد عن الأضرار التي لحقت بتقديرها الذاتي وهي في مرحلة النمو قائلةً: «لقد أثّر ذلك سلبًا على صحتي النفسيّة، وأعتقد أنه أثّر في تقديري الذاتي، فسماع مثل هذه الكلمات ليس بالأمر السهل لأي فرد وبأي عمر، فكيف إذا قيلت لفتاة مراهقة لا تفهم مشاعرها الخاصة. بالتأكيد تلك ليست طريقة سليمة لبناء إنسان».
من الطبيعي بعد سماع هذه القصص المؤلمة، والشعور بحجم الضرر الذي عانى منه أصحابها، أن نلوم الأطباء، ولكن هل هذا منصف بحقهم؟
من النادر أن يُلحق الأطباء الأذى بمرضاهم، بل في بعض الحالات، يستحيل تشخيص أمراض المناعة الذاتية على وجه السرعة.
إلا أن دراستنا تظهر أن بعض الأطباء يسرعون في تشخيص أعراض الأمراض المناعية الذاتيّة على أنها جسديّة-نفسيّة أو أمراض نفسيّة.
تشير بعض الأبحاث التي ربما أثّرت في تشخيص الأطباء الخاطئ للأمراض على أنها نفسية-جسدية إلى وجود قائمة طويلة من الأعراض التي تعد مؤشرًا خطيرًا لكنها ليست ناتجة عن مرض عضوي. إلا أنّ هذا التعميم يعدّ خطيرًا لأنه يتجاهل حقيقة وجود قائمة طويلة أخرى من الأعراض التي قد تكون مؤشرًا على الإصابة بأمراض مناعية ذاتية عدة.
ثمّ إنّ العديد من أعراض الأمراض المناعية خفيّة ولا توجد اختبارات واضحة تُمكّن الطبيب من تحديد شدتها، ويجد المرضى أنّ بعض المصطلحات التي يستخدمها الأطباء في وصف الأعراض التي يعانون منها ك “غامضة” و”غير محددة” مقلقة ومزعجة.
إذ غالبًا ما يكتب الأطباء التقارير بسرعة بسبب ضغط الخدمات الطبية، ويستخدمون أحيانًا باللاوعي مصطلحات توارثوها عمن سبقهم؛ كأن يقول الطبيب «يزعم المريض» أو «لم نجد دليل موضوعي» الأمر الذي يزيد شعور المرضى بعدم التصديق.
الاستماع التعاطفي
اقترح باحثونا أنّه على الأطباء أن يفكروا بالمناعة الذاتية كتشخيص أولي، وذلك عندما يواجهون عدّة أعراض متنوّعة لا تترابط مع بعضها، فغالبية الأمراض تُشخّص من خلال الاستماع للقصة المرضيّة للمريض والأعراض التي يعاني منها وتصديقه.
لا بدّ من الاستماع التعاطفي والدعم العاطفي لمساعدة مرضى التشخيص الخاطئ للتعافي نفسيًا، فمن الصعب أن يستطيعوا “المضي قُدُمًا” كما نصح أحد الأطباء.
كما ينبغي علينا أن لا نستخفّ بقوة الكلمة التي يقولها الطبيب للمريض الذي يعاني من أعراض غير مرئية متعددة مثل: «أنا أصدقك» أو «أنا آسف لما حدث معك في الماضي» في حال مرّوا برحلة تشخيص صعبة.
لقد أفاد خمسون طبيبًا أُجريت معهم مقابلات ضمن الدراسة أن التشخيصات الخاطئة كانت شائعة في حالات الأمراض المناعية الذاتية، لكن قلّةً منهم أدركوا أنّ عواقب هذه التشخيصات الخاطئة كانت شديدة وطويلة الأمد.
وسعى معظم هؤلاء الأطباء إلى تحسين تجارب مرضاهم لتعاطفهم معهم، وظنّ العديد منهم أنّهم إذا أخبروا المرضى بأنّ أعراضهم نفسية أو بسبب التوتر سيكون وقعْها عليهم مطمئنًا أكثر من إخبارهم أنهم مصابون بمرض ما.
وعلى الرغم من أنّ العديد من المرضى ممن عانوا من الأمراض النفسية أو النفسية-الجسدية، التي ينبغي على الأطباء أخذها بالحسبان كتفسير محتمل، إلا أن الدرس الواضح من الدراسة هو أن التشخيصات الخاطئة نادرًا ما تكون مطمئنة للمرضى الذين يعانون من أعراض أمراض المناعة الذاتية.
بل على العكس، غالبًا ما تكون أثر هذه التشخيصات عميقة ومضرّة، وتحمل في طيّاتها عواقب طويلة الأمد قد تغيّر مجرى حياة الفرد.
- ترجمة: آيات حبيب
- تدقيق علمي ولغوي: عبير ياسين
- المصادر: 1