
عالم أينشتاين الكمي المسكون بالأشباح
كره أينشتاين “الفعل المخيف عن بعد”، ورغم اشمئزازه الشديد، لا تزال ميكانيكا الكم مخيفة كما كانت دائمًا.
ذكرت نظرية نيوتن للجاذبية أن الجاذبية تعمل عن بعد وبشكل لحظي. وقد أثبت أينشتاين أن هذا ليس هو الحال. فقد نجحت نظريته العامة للنسبية في طرد فعل نيوتن الغامض عن بعد من خلال جعل الجاذبية تسافر بسرعة الضوء وتعمل محليًا في فضاء منحني. ولدهشة أينشتاين، تتفاخر الفيزياء الكمومية ب “فعل مخيف للغاية عن بعد”، كما وصفه لم يتمكن من طرده. وقد أكدت التجارب الحالية أن الطبيعة أكثر رعبًا مما كان أينشتاين ليقبله على الإطلاق.
في نوفمبر عام 1915 قدم ألبرت أينشتاين نظريته النسبية العامة إلى الأكاديمية البروسية للعلوم في برلين، النظرية التي أحدثت ثورة في نظرتنا إلى الكون.
لقد أعادت نظرية أينشتاين صياغة فكرة الجاذبية بطريقة جديدة تمامًا، مختلفة تمامًا عن النظرية المقبولة آنذاك، والتي ابتكرها إسحاق نيوتن في عام 1686. نجحت نظرية نيوتن بشكل جميل في وصف مجموعة من الظواهر الجاذبية، من مدارات الكواكب والمذنبات حول الشمس إلى المد والجزر وسطح الأرض المفلطح. (الأرض عبارة عن كرة مفلطحة – أي مسطحة قليلاً عند القطبين). لا يزال مهندسو الصواريخ يستخدمون نظرية نيوتن لحساب مساراتهم للوصول إلى عوالم أخرى في النظام الشمسي. لا تبدأ النظرية في الفشل إلا عندما تكون قوى الجاذبية قوية للغاية، بعيدًا عن حياتنا اليومية. لكن فرضية النظرية، كما اكتشف أينشتاين، وإن كانت تقريبية ممتازة، خاطئة تمامًا.
طرد الأرواح الشريرة من جاذبية نيوتن
إن جوهر نظرية نيوتن يكمن في مفهوم “الفعل عن بعد”، وهو افتراض بأن أي جسميين ضخمين سوف يجذبان بعضهما جاذبيةً لحظية ودون أي تأثير مباشر على بعضهما. وبناءً على ذلك الشمس تجذب الأرض وهي تجذبك أنت أيضاً، دون أي تلامس مباشر على بعضهما بعض. (بالمناسبة، أنت تجذبهما أيضاً). وتفعل ذلك بسرعة لا نهائية (ومن هنا جاءت كلمة “لحظية” ). وعندما سأل الناس نيوتن كيف يمكن لشيء أن يؤثر على شيء آخر من دون أن يلمسه، أصبحت أجابت نيوتن الكلاسيكية: “لكنني لم أتمكن حتى الآن من اكتشاف سبب تلك الخصائص للجاذبية من الظواهر، ولا أضع أي فرضيات”. وبذكاء شديد، اختار نيوتن عدم التكهن، نظراً لأنه لم يكن لديه أي بيانات تساعده في أي من الاتجاهين.
ولكن أينشتاين لم يكن ليقبل بأي من هذا. فوفقاً لنظريته النسبية الخاصة التي وضعها عام 1905، لا يمكن لأي شيء أن يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، ولا حتى الجاذبية. وعلى هذا فإن الاضطراب في قوة الجاذبية لابدّ وأن ينتشر بسرعة الضوء على الأكثر، ولا يكون لحظياً أبداً. وعلاوة على ذلك، فمن خلال ربط الجاذبية بانحناء الفضاء، تخلص أينشتاين أيضاً من الفعل الغامض الذي يحدث عن بعد. فالفضاء قابل للتمدد، والجاذبية هي استجابة للحركة في هذا الفضاء القابل للتمدد، مثل الطفل الذي لا خيار له سوى الانزلاق على زلاجة.
لا يعرف نيوتن ولا أينشتاين ولا أي شخص آخر سبب انجذاب المادة للمادة. لكن النسبية العامة لأينشتاين نجحت في طرد الفعل الشبح الذي مارسه نيوتن عن بعد، وتحويل الجاذبية إلى تفاعل محلي وسببي. كان كل شيء على ما يرام حتى دخلت ميكانيكا الكم إلى اللعبة.
عودة “الفعل المخيف عن بعد”
في نفس الوقت تقريباً الذي كان فيه أينشتاين يتخلص من شبح الجاذبية، كانت ميكانيكا الكم في صعود. ومن بين العديد من سلوكياتها الغريبة، فإن مفهوم التراكب الكمومي يتحدى خيالنا حقاً. في حياتنا اليومية، عندما تكون في مكان واحد، فهذا هو المكان الذي تكون فيه نقطة. ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للأنظمة الكمومية. على سبيل المثال، الإلكترون ليس شيئًا في مكان واحد بل شيء في أماكن عديدة في وقت واحد. هذا “التراكب المكاني” ضروري للغاية لوصف الأنظمة الكمومية. ومن الغريب أن المعادلات لا تصف حتى هذا التراكب للمواقع باعتباره إلكترونًا في حد ذاته، بل باعتباره احتمال العثور على الإلكترون هنا أو هناك بمجرد قياس موقعه. (بالنسبة للخبراء، فإن الاحتمال هو مربع سعة هذه الموجات الكمومية). لذا، فإن ميكانيكا الكم تدور حول إمكانية العثور على شيء هنا أو هناك، وليس حول مكان وجود شيء ما طوال الوقت. حتى يكون هناك قياس، فإن فكرة مكان وجود شيء ما لا معنى لها!
هذا الغموض قاد آينشتاين إلى الجنون. فقد كان على النقيض تماماً مما توصل إليه في نظريته عن الجاذبية أي أن الجاذبية تعمل محلياً في تحديد انحناء الفضاء عند كل نقطة، وأيضاً سببياً، ودائماً بسرعة الضوء. كان أينشتاين يعتقد أن الطبيعة لابد وأن تكون معقولة وقابلة للتفسير العقلاني وقابلة للتنبؤ. وكان لابدّ وأن تكون ميكانيكا الكم خاطئة أو على الأقل غير مكتملة.
في عام 1935، وبعد عقدين من نشر بحثه عن النسبية العامة، كتب أينشتاين ورقة بحثية بالاشتراك مع بوريس بودولسكي وناثان روزن في محاولة لكشف جنون ميكانيكا الكم، ووصفها بأنها “فعل مخيف عن بعد”. (يمكن للقارئ المهتم معرفة المزيد هنا). أمضى بقية حياته في محاولة طرد شيطان الكم، دون جدوى.
عندما ننظر إلى الأنظمة الكمومية التي تحتوي على جسيمين، لنقل إلكترونين في حالة تراكب، بحيث تصف المعادلات الآن كليهما معًا، نجد أنهما في حالة متشابكة تبدو وكأنها تتحدى كل ما كان أينشتاين يؤمن به. وإذا قمت بقياس خاصية أحد الإلكترونات، لنقل دورانه، فيمكنك معرفة دوران الإلكترون الآخر – دون حتى عناء قياسه. والأمر الأكثر غرابة هو أن هذه القدرة على التمييز بين أحدهما والآخر تستمر لمسافات كبيرة بشكل تعسفي ويبدو أنها لحظية. بعبارة أخرى، تتحدى الغموض الكمومي المكان والزمان.
لقد أكدت التجارب أن التشابك يمكن أن يستمر لمسافات هائلة. وكأن حالة التشابك موجودة في عالم حيث لا تهم المسافات المكانية والفترات الزمنية. صحيح أن مثل هذه الحالات المتشابكة هشة للغاية ويمكن تدميرها بسهولة من خلال أنواع مختلفة من التداخل. ومع ذلك، فإن قِلة من الناس ينكرون وجودها في هذه المرحلة. قد لا يكون لها أي علاقة بالتفسيرات الشعبية للتزامن أو الشعور بتكرار ما حدث من قبل، لكنها تعلمنا أن هناك العديد من الجوانب الغامضة في الطبيعة التي تظل خارج نطاق فهمنا. آسف أينشتاين، لكن ميكانيكا الكم مخيفة.
- ترجمة: أحمد بدر
- تدقيق علمي ولغوي: حلا سليمان
- المصادر: 1